فوزي آل سيف
144
أعلام من الأسرة النبوية
ولا ريب أن ابن عباس ــ كسائر أصحاب النبي الواعين ــ كانوا يرون مخالفات الخليفة عثمان أمام أعينهم، سواء تلك التي ترتبط بتغيير بعض الأحكام الشرعية من غير دليل واضح، كإتمامه الصلاة في منى للحجاج بعد ست سنوات من خلافته وغير ذلك من الأحكام، او تلك التي ترتبط بالحكم كتوزيع أموال المسلمين مع إيثار أقاربه وقومه بالنصيب الأوفر واعتباره بيت المال خزانة للخليفة وأقاربه.. أو تلك العقوبات التي عاقب بها بعض أصحاب النبي وعدت مجحفة.. وهكذا. فكان من الطبيعي لابن عباس وهو الخبير بالاحكام من جهة والمطلع على طريق[395]ة وتوزيع السابقين للمال.. أن ينتقد الخليفة عثمان وهو ما عدّه هذا تأليبا للناس عليه. كانت نهاية خلافة عثمان بما وصفه بشكل دقيق ومختصر الإمام علي عليه السلام (إلى أن قام ثالث القوم نافجا حضنيه بين نثيله ومعتلفه، وقام معه بنو أبيه يخضمون مال الله خضمة الإبل نبتة الربيع، إلى أن انتكث عليه فتله وأجهز عليه عمله وكبت به بطنته). في عهد أمير المؤمنين عليه السلام: عندما جاءت الخلافة إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) مزهوة كان ابن عباس ينتظر هذا اليوم ويكافح بلسانه وحجته للوصول إليه، فها هو في طليعة أنصار أمير المؤمنين بل ومستشاريه وهو الخطيب في الأيام الأولى الداعي للناس إلى الإسراع في بيعة الإمام والنهوض معه. وبعد ان أغرى معاوية الزبير وطلحة بكتاب زعم أنه بايع للزبير ومن بعده لطلحة، وما عليهما إلا أن يسيطرا على الكوفة والبصرة، فإن الشام مستوسقة لهما تحت إدارته كما زعم!! جاء الزبير وطلحة يطلبان من الإمام أن يوليهما الكوفة والبصرة! وقد قيل إن أمير المؤمنين عليه السلام عرض هذا الأمر على ابن عباس وكان في ذلك الوقت يقارب الأربعين من العمر، فهو بالإضافة إلى الناحية العلمية التي كان متميزا فيها، هو كذلك من الناحية العقلية ولديه تجربة في العمل السياسي ومتابعة الأوضاع خلال ثلاثة عقود من الزمان.. نعم نحن نعتقد أن المعصوم كالنبي والإمام حيث أنهم أكمل الخلق عقلاً ورأياً، لا يتوقف صواب رأيهم على المشاورة، ولكن حتى يدربوا المسلمين عليها ويجنبوهم الاستبداد بالرأي كانوا يشاورون المسلمين، فقد استشار النبي المسلمين في مواجهة الكفار في معركة الاحزاب، وانتهى إلى الخندق، على الرأي المشهور بإشارة سلمان الفارسي[396].. قال يا أمير المؤمنين البصرة والكوفة هما عين الخلافة، وبهما كنوز الرجال ومكان طلحة والزبير من الإسلام ما قد علمت ولست آمنهما إن وليتهما أن يحدثا أمرا.." وبعبارة أخرى، العراق كله البصرة والكوفة، فإذا كانت الشام عند معاوية وأخذ البصرة والكوفة طلحة والزبير.. ما الذي يتبقى لك؟ وعندما خرج الزبير وطلحة لتنشب حرب الجمل، أرسل الإمام علي ابن عباس ضمن الوفد الذاهب للكوفة لعزل أبي موسى الأشعري، وتحشيد الناس للخروج للحرب إلى جانب الإمام ذلك أن أبا موسى الأشعري كان مخالفا للإمام (عليه السلام) من الأصل، ولم يكن يرتضي خلافته، وفوق هذا كان يعتقد أن حرب الجمل هي فتنة غائمة وليست حرباً عادلة، ليس قضية حق وباطل، وإنما هي باطل مع باطل فلا ينبغي له أن يساهم فيها ولا يعين عليها، وكان يحدث ــ فيما زعم ــ عن رسول الله صلى الله عليه وآله بما قال:أنه ستكون بعدي فتنة القاعد فيها خيرٌ من القائم والنائم
--> 395 ) الإمام علي ؛ نهج البلاغة / الخطبة الشقشقية رقم 3 396 ) آل سيف ؛ فوزي: رؤى في قضايا الاستبداد والحرية: " وكان موسى بن جعفر رأيه ممن يوازن به الجبال وربما شاور الأسود من غلمانه فقيل له: تشاور مثل هذا؟! فقال: إن الله تبارك وتعالى ربما فتح على لسانه.كما نقل عنه ابنه علي بن موسى الرضا، الذي كان بدوره يشاور أصحابه، فقد قال معمر بن خلاد: هلك (مات ) مولى لأبي الحسن الرضا فقال: أشر علي برجل له فضل وأمانة، قلت: أشير عليك؟ قال: نعم إن رسول الله كان يستشير أصحابه ثم يعزم على ما يريد".